أحد أكثر الأسئلة التي أسمعها داخل عيادتي
من أكثر الأسئلة التي يطرحها عليّ الرياضيون والأشخاص الذين يمارسون النشاط البدني في عيادة طب القلب الرياضي هو:
“دكتور… لماذا أشعر فجأة بإرهاق شديد أثناء التمرين، رغم أنني كنت أؤدي بشكل طبيعي قبل دقائق قليلة؟“
أسمع هذا السؤال من عدّائي الماراثون، ولاعبي كرة القدم، وراكبي الدراجات،ا لسباحين وحتى من الأشخاص الذين بدأوا ممارسة الرياضة حديثاً لتحسين صحتهم.
ورغم اختلاف الرياضات، فإن القصة تكاد تكون واحدة.
في بداية التمرين يكون كل شيء على ما يرام.
التنفس منتظم.
الساقان قويتان.
والحفاظ على نفس السرعة يبدو أمراً سهلاً.
ثم، وبدون سابق إنذار، يبدأ كل شيء في التغير.
يزداد معدل التنفس بشكل واضح.
وتبدأ العضلات في الشعور بالإجهاد.
ويصبح الاستمرار بنفس الشدة أكثر صعوبة.
يعتقد كثيرون أن السبب هو “تراكم حمض اللاكتيك” أو أن العضلات أصبحت ضعيفة.
لكن الحقيقة أن كلا التفسيرين غير دقيق.
ما يحدث في الواقع هو أن الجسم يصل إلى واحدة من أهم المراحل الفسيولوجية أثناء المجهود، وهي العتبة اللاهوائية (Anaerobic Threshold).
وفهم هذه المرحلة قد يغيّر تماماً طريقة تدريبك، وأداءك الرياضي، وحتى فهمك لكيفية عمل جسمك.
لماذا تُعد العتبة اللاهوائية مهمة (Anerobic Threshold)
من خلال عملي في طب القلب الرياضي وإجراء اختبارات الجهد القلبي الرئوي (CPET)، لاحظت أن كثيراً من الرياضيين يتدربون لساعات طويلة دون أن يعرفوا كيف ينتج الجسم الطاقة أثناء المجهود.
فالبعض يتدرب بشدة عالية كل يوم.
والبعض الآخر لا يصل أبداً إلى الشدة المناسبة التي تحقق التطور.
وكثيرون يعتمدون على معادلات عامة لحساب معدل ضربات القلب أو على نصائح متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن جسم الإنسان لا يستجيب للتخمين.
بل يستجيب للفسيولوجيا.
تمثل العتبة اللاهوائية النقطة التي يبدأ عندها الجسم في تغيير الطريقة التي ينتج بها الطاقة لمواكبة زيادة شدة المجهود.
وعندما نعرف مكان هذه النقطة بدقة، يمكننا تصميم برنامج تدريبي أكثر كفاءة، وتحسين الأداء الرياضي، ومساعدة المرضى على ممارسة الرياضة بأمان أكبر.
ولهذا السبب أصبح قياس العتبة اللاهوائية أثناء اختبار الجهد القلبي الرئوي (CPET) من أهم الأدوات الحديثة في طب القلب الرياضي.
ما هي العتبة اللاهوائية؟
Anerobic threshold
كل حركة يقوم بها جسمك تحتاج إلى طاقة.
سواء كنت تمشي، أو تصعد الدرج، أو تجري سباقاً، أو حتى تلعب مع أطفالك، فإن عضلاتك تحتاج باستمرار إلى إنتاج الطاقة.
في الظروف الطبيعية، يفضل الجسم إنتاج هذه الطاقة باستخدام الأكسجين.
وتُعرف هذه العملية باسم التمثيل الغذائي الهوائي (Aerobic Metabolism).
وتتميز هذه الطريقة بأنها عالية الكفاءة، حيث تسمح لك بالاستمرار في ممارسة النشاط لفترات طويلة مع أقل قدر من التعب.
لكن مع زيادة شدة المجهود، تبدأ العضلات في طلب الطاقة بسرعة أكبر مما يستطيع الأكسجين توفيره.
وهنا لا يتوقف الجسم عن العمل.
بل يقوم بتفعيل نظام آخر لإنتاج الطاقة بسرعة أكبر.
ويُعرف هذا النظام باسم التمثيل الغذائي اللاهوائي (Anaerobic Metabolism).
أما العتبة اللاهوائية فهي المرحلة التي يبدأ فيها الجسم بالاعتماد بشكل متزايد على هذا النظام لتلبية احتياجات العضلات من الطاقة.
ولا يحدث ذلك بصورة مفاجئة، بل هو انتقال تدريجي بين النظام الهوائي والنظام اللاهوائي مع زيادة شدة التمرين.
جسمك صُمم ليحميك… وليس فقط لتحقيق الأرقام القياسية
من أكثر المفاهيم التي أحرص على توضيحها لمرضاي أن الوصول إلى العتبة اللاهوائية لا يعني وجود مشكلة في الجسم.
بل على العكس.
إنها واحدة من أذكى آليات الحماية التي منحها الله لجسم الإنسان.
تخيل أنك تجري فجأة من خطر أو للحاق بحافلة، أو تركض لإنقاذ طفل، أو تحاول إنهاء سباق في اللحظات الأخيرة.
في هذه اللحظات تحتاج العضلات إلى إنتاج الطاقة بسرعة كبيرة.
ولو اعتمد الجسم فقط على الأكسجين، لما استطعت الاستمرار.
ولهذا يستخدم الجسم نظاماً احتياطياً لإنتاج الطاقة بسرعة أكبر، وهو النظام اللاهوائي.
لقد ساعد هذا النظام الإنسان على البقاء عبر آلاف السنين، قبل ظهور الرياضة الحديثة بوقت طويل.
واليوم يساعد الرياضيين على تحقيق أفضل أداء ممكن.
لكن هذه السرعة في إنتاج الطاقة لها ثمن.
لماذا لا نستطيع البقاء فوق العتبة اللاهوائية لفترة طويلة؟
هذا أيضاً من الأسئلة التي تتكرر كثيراً داخل العيادة.
“إذا كان الجسم يستطيع إنتاج المزيد من الطاقة، فلماذا لا أستطيع الاستمرار بنفس الشدة طوال السباق؟”
الإجابة بسيطة.
إنتاج الطاقة بالطريقة اللاهوائية أسرع، لكنه أقل كفاءة بكثير من إنتاجها باستخدام الأكسجين.
ومع زيادة الاعتماد على هذا النظام، تبدأ عدة تغيرات فسيولوجية في الظهور.
يصبح التنفس أسرع.
ويرتفع معدل ضربات القلب بصورة أكبر.
وتزداد حموضة العضلات نتيجة تراكم أيونات الهيدروجين.
كما تبدأ إشارات التعب في الوصول إلى المخ.
وفي النهاية يضطر الرياضي إلى تقليل سرعته أو شدة المجهود.
ولهذا السبب تمثل العتبة اللاهوائية نقطة تحول مهمة أثناء ممارسة الرياضة.
أكبر معلومة خاطئة أصححها كل أسبوع
إذا كانت هناك معلومة أكرر تصحيحها باستمرار فهي:
“حمض اللاكتيك هو السبب في آلام العضلات بعد التمرين.”
أسمع هذه العبارة كثيراً.
لكن الحقيقة العلمية مختلفة تماماً.
فالعضلات أثناء المجهود تنتج اللاكتات (Lactate)، وليس ما يُعرف شعبياً بحمض اللاكتيك.
والأهم من ذلك أن اللاكتات ليست مادة ضارة.
بل هي مصدر مهم للطاقة.
فعضلة القلب تستخدم اللاكتات كمصدر ممتاز للوقود.
كما يستطيع المخ استخدامها أيضاً.
وتستفيد منها العضلات المدربة لإعادة إنتاج الطاقة أثناء المجهود.
والأهم أن اللاكتات تختفي من الجسم خلال فترة قصيرة بعد انتهاء التمرين، غالباً خلال أقل من ساعة.
لذلك فإن الألم الذي تشعر به في اليوم التالي ليس سببه اللاكتات.
وإنما يحدث نتيجة تمزقات دقيقة داخل الألياف العضلية، والاستجابة الطبيعية للجسم لإصلاحها، وهي الحالة المعروفة باسم ألم العضلات المتأخر (DOMS).
ولهذا فإن اللاكتات ليست عدوك.
بل هي جزء من نظام ذكي يساعد جسمك على الاستمرار في إنتاج الطاقة.
والالام التي تحي بها في التمرين ناتجه عن زيادة نسبة الحموضة في العضلات
هل يصل جميع الرياضيين إلى العتبة اللاهوائية في نفس الوقت؟
الإجابة هي: لا.
وهذا أحد الأسباب التي تجعلني دائماً أنصح الرياضيين بعدم مقارنة أنفسهم بغيرهم.
قد يكون هناك عدّاءان في نفس العمر.
ولهما نفس الوزن.
وربما حتى نفس الحد الأقصى لمعدل ضربات القلب.
لكن أحدهما يستطيع الجري بسرعة أعلى بكثير قبل الوصول إلى العتبة اللاهوائية.
والسبب هو أن هذه العتبة تعكس كفاءة الجسم في إنتاج الطاقة واستخدامها.
فالرياضيون الأكثر تدريباً يتميزون عادةً بـ:
زيادة عدد وكفاءة الميتوكوندريا.
تحسين توصيل الأكسجين إلى العضلات.
قدرة أفضل على حرق الدهون.
إعادة استخدام اللاكتات بكفاءة أعلى.
تحمل هوائي أكبر.
ولهذا يستطيعون الحفاظ على شدة أعلى لفترة أطول قبل أن يبدأ الجسم بالاعتماد بشكل كبير على النظام اللاهوائي.
لماذا يعتبر التخمين و ليس القياس خطأً كبيراً؟
من أكثر الأمور التي ألاحظها في العيادة أن كثيراً من الرياضيين يعتمدون على برامج تدريب جاهزة أو معادلات عامة لحساب مناطق التدريب.
لكن الحقيقة أن هذه الطرق لا تستطيع تحديد العتبة اللاهوائية الخاصة بك.
فكل إنسان يختلف عن الآخر.
العمر.
واللياقة البدنية.
والوراثة.
والأمراض المزمنة.
والأدوية.
وسنوات التدريب.
كلها عوامل تؤثر في استجابة الجسم للمجهود.
ولهذا أؤمن دائماً أن وصف التمارين الرياضية يجب أن يعتمد على القياس وليس التخمين.
فالهدف ليس أن تتدرب بشكل أقوى.
بل أن تتدرب بشكل أذكى.
CPET وهنا تظهر القيمة الحقيقية لاختبار الجهد القلبي الرئوي
كيف نقيس العتبة اللاهوائية؟
“دكتور… كيف تعرفون بالضبط متى أصل إلى العتبة اللاهوائية؟”
الإجابة هي من خلال اختبار الجهد القلبي الرئوي (CPET).
فعلى عكس اختبار المجهود التقليدي، لا يقتصر CPET على متابعة رسم القلب فقط.
بل يقيس في الوقت نفسه كفاءة القلب والرئتين والعضلات والتمثيل الغذائي أثناء التمرين.
ومن خلال تحليل كمية الأكسجين التي يستهلكها الجسم، وكمية ثاني أكسيد الكربون التي ينتجها مع كل نفس، نستطيع تحديد التغيرات الفسيولوجية التي تحدث مع زيادة شدة المجهود.
وبدلاً من الاعتماد على معادلات عامة أو أجهزة الساعات الرياضية، نستطيع تحديد مناطق التدريب والعتبة اللاهوائية بدقة اعتماداً على فسيولوجيا جسمك أنت.
وبالنسبة لي كطبيب متخصص في طب القلب الرياضي، فإن اختبار الجهد القلبي الرئوي يعد من أهم الأدوات التي تساعدني على فهم كيفية استجابة الجسم للمجهود، ووضع خطة تدريب أو علاج مبنية على بيانات حقيقية وليست على التخمين.




